السيد حيدر الآملي
384
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وأحوالك فليس للعلم أثر في المعلوم بل للمعلوم أثر في العالم فيعطيه عن نفسه ما هو عليه في عينه وإنّما ورد الخطاب الإلهي بحسب ما تواطأ عليه المخاطبون وما أعطاه النّظر العقلي ما ورد الخطاب على ما يعطيه الكشف ولذلك كثر المؤمنون وقلّ العارفون أصحاب الكشوف وما منّا إلّا له مقام معلوم . وهذه الكلمات لها شروح وفيها أسرار والمراد منها قوله : فإن قلت : ما فائدة قوله : فلو شاء لهداكم أجمعين إلى قوله : فمشيئته أحديّة التّعلّق إلى آخره ، أمّا قوله : فما هديكم أجمعين ، فمعناه أنّه ما شاء هداية الكلّ لعدم قبول بعض الأعيان الهداية من أنفسهم وذواتهم ، ولا يشاء هداية الجميع أبدا لامتناعهم القبول لتلك الهداية وذلك لأنّ شؤون الحقّ كما تقتضي الهداية كذلك تقتضي الضّلال بل نصف شؤونه يترتّب على الضّلال كما يترتّب النّصف الآخر على الهداية ولذلك قسم الدّار الآخرة بالجنّة والنّار وخلق آدم بيديه وهما الصّفات الجماليّة التي مظهرها في الآخرة الجنّة والجلاليّة التي مظهرها فيها النّار فطابق الأوّل الآخر ، وأمّا قوله : فمشيئته أحديّة التّعلّق وهي نسبة تابعة للعلم إلى آخره ، فمعناه أن تعرف أنّ للحقّ مشيئة واحدة عامة يتجلّى بها فتأخذ كلّ عين نصيبها منها بحسبها فيظهر بمقتضاها هداية كانت أو ضلالة كما قال : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ سورة القمر : 50 ] . وإذا كان الواقع في الوجود أحد النّقيضين باقتضاء العين ذلك ، فمشيئته أحديّة التّعلّق لأنّها نسبة للعلم إذ ما لا يعلم بوجه من الوجوه لا يمكن تعلّق الإرادة والمشيئة به والعلم نسبة تابعة للمعلوم من حيث تغايرهما وامتياز كلّ واحد منهما عن غيره والمعلوم الأعيان الثّابتة وأحوالها وهي لا تقتضي إلّا وجود أحد الطرفين من النّقيض فالمشيئة أيضا لا تتعلّق إلّا به ، وقوله : ليس للعلم أثر نتيجة لقوله : والعلم نسبة تابعة للمعلوم وأثر المعلوم في العالم اقتضاؤه وطلبه من العالم القادر على إيجاده على ما هو عليه كما مرّ مرارا ، وقوله : إنّما ورد الخطاب الإلهي بحسب ما تواطأ عليه المخاطبون إلى آخره ، معناه أنّه لمّا كان أكثر الأشخاص الإنسانية عقلاء وأصحاب النّظر الفكري ما ورد الخطاب الإلهي إلّا بحسب ما تواطئوا أي توافقوا عليه وهو العقل ومقتضاه ولم يرد على ما يعطيه الكشف لعدم وفاء الاستعدادات بذلك ولقلّة العارفين أصحاب